المسلمُ بين خالد بن الوليد وأسامة بن لادن.

بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد (سيف الله المسلول) رضي الله عنه على رأس سرية إلى قوم يدعون (بنو جذيمة)
ليدعوهم إلى الإسلام، وكانوا على عداوة مع قوم من العرب؛ فخرجوا بسلاحهم ظناً منهم أن خالدا ومن معه - رضي الله عنهم - هم أولئك القوم.

خرجوا إليه مستقبلين له بالسلاح و هم يقولون له "صبئنا"، وكانت هذه اللفظة تستخدم بين أولئك القوم للتعبير عن تركهم دينهم الذي كانوا عليه إلى دين آخر؛ أي أنهم يريدون بها إخبار خالد بن الوليد - رضي الله عنه - أنهم أسلموا. بينما كانت لفظة "صبئنا" في قاموس خالد - رضي الله عنه - تعني: "كفرنا".

هم مسلحون، وتأول خالد  - رضي الله عنه - لفظة "صبئنا" ففهم أنهم يريدون القتال والخدعة؛ فقاتلهم، وقتل منهم الكثير. ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؛ غضب، ورفع يده إلى السماء وقال "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد"

وهنا يأتي السؤال: ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه الحادثة؟ وهل تبرأ من خالد - رضي الله عنه -  أم تبرأ من خطأه؟ هل دعا عليه؟ هل عزله؟

والجواب: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم علياً - رضي الله عنه - إلى أولئك القوم، ودفع الدية لهم عن قتلاهم، وتبرأ من (صنيع) خالد رضي الله عنه، ولم يدع عليه، ولم يعزلْه.

أما الشيخ أسامة بن لادن؛ فلم يخطأ بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، كما كان خالد بن الوليد - رضي الله عنه -  وإنما أخطأ بين يدي مسلمي اليوم الذين - وللأسف الشديد - يسارعون في الغرب إرضاءا له، وتشبها به، بأي ثمن، وإن كان هذا الثمن هو هدم قامة من قامات الإسلام في هذا الزمان.

ما هي جناية أسامة بن لادن؟
لم يكن التبرأ من خطأ بن لادن من ضرورات الإيمان، ولم يكن مما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ لكي أنقب عنها؛ لأبتدر الحديث عنه بالجملة الأشهر " أسامة بن لادن رغم مآخذي عليه ..."  وكأن المتحدث عن أسامة بن لادن إن لم يقسم قسما غليظا أن له مآخذ على أسامة بن لادن؛ سيكون بذلك خارجا عن دين الإسلام.
ولكن جملة ما أُخذ على الشيخ رحمه الله؛ ينحسر تقريبا في القتل العشوائي الذي قد لا يفرق بين مقاتل و غير مقاتل، والذي قد يودي بحياة "أبرياء".
أنا لا يسعني أن أفند هذا الرأي أو أؤيده، ولكني سأعتبر أن اسامة بن لادن مخطيء في تلك العمليات التي راح ضحيتها أناس "أبرياء" لم يكن لهم أي دور في العمليات المسلحة ضد المسلمين؛ سوى تلك الضرائب التي يدفعونها، بالإضافة إلى أنهم هم الذين يختارون قاداتهم الذين يصدرون أوامر الحرب. ولذلك فدماؤهم على أسامة بن لادن حرام من جميع الوجوه.



المسلم و أخطاء بن لادن.
(1)
مما سبق؛ يتبين لنا أن الشيخ أسامة بن لادن في نظر الكثيرين أخطأ بقتله "أبرياء"، وهنا أتسائل: الذين قتلهم خالد بن الوليد - رضي الله عنهم - من بني جذيمة؛ ألم يكونوا أبرياء؟
لماذا تغير رد فعل كثير من المسلمين تجاه أخطاء بن لادن التي راح ضحيتها "أبرياء" عن رد فعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقتما قام خالد بن الوليد بقتل أبرياء؟



(2)
إن الذي يهدم الهامة النيرة أسامة بن لادن، لأخطاء اقترفها؛ حتى وإن أودت تلك الأخطاء بحياة البعض، فإني أخشى عليه من   النفاق؛ إلا أن يكون جاهلا بتاريخ الشيخ المجاهد منذ بدأ طريق الجهاد ضد الروس على أرض أفغانستان.
الأصل أن هذا الرجل قدم من التضحيات ما الله به عليم، وجاهد جهادا مريرا ضد الروس والأمريكان؛ في ساحات لا نختلف على أن القتال فيها صحيح من جميع الوجوه، وأن العدو المحتل لأرض مسلمة؛ لا يُلام أبدا المستحل إن قاتلهم، ولا يُلام من يهب لنصرة هذا المستحل، فلما نـهدم بأخطائه التي نختلف عليها صروح أمجاده التي بناها في ساحات لا نختلف عليها؟!

(3)
إن الوقت الذي تـُهدره في جلد الشيخ أسامة بن لادن - رحمه الله - حريٌ بك أن تـُنفقه في البكاء من خشية الله؛ لأنك لن تجد جوابا لتلك الأسئلة التي ستـُسألها أنت وكل مسلم حين تـعرض على ربك ويسألك:
 ماذا فعلت لإخوانك في العراق لما قـُتل مليون طفل جراء الحصار الذي ضُرب على العراق؟  وماذا فعلت لأخواتك اللاتي اغـْـتـُـصبنَّ في الشيشان (إثني عشرة ألف مسلمة)؟  وماذا فعلت لتحرير المسجد الأقصى الأسير، وكم مرة دعوت بفكاكه؟ وغيرها كثير...
إن أكثر العمليات المنسوبة إلى تنظيم القاعدة و التي خلفت ضحايا: هي عملية منهاتن؛ التي راح ضحيتها ثلاثة آلاف شخص. فلو افترضنا أن أسامة بن لادن "مجرم"، وأنه لم يكن حتى مسلما؛ بماذا تريدني أن أصفـُك وأنا لا أكاد أراك تتبرأ من أي مجرم على وجه الأرض من أولئك الذين خلف إجرامُهم مئات الآلاف من الضحايا، بل وملايين الضحايا و فقط لديك جهد ووقت زاخرين لجلد وهدم أسامة بن لادن؟
 بالطبع حينما لا يتناسب نقدك مع مقدار خطأ مـَن تنتقده؛ لا سيما وإن كان نقدك يغيب عن أشخاص أخطأوا خطئاً من نفس جنس الخطأ الذي انتقدت فاعله ولكنك تتغافل عنهم وتتجاهلهم، وحينما تختزل تاريخ أي إنسان في الأخطاء التي اقترفها، فأنت أقل ما يقال فيك أنك غير منصف.


سل نفسك والإجابة لك: كم مرة كتبت أو تكلمت عن "ستالين"؟ أظن أنك قد لا تعرف عنه شيئا أبعد من رئاسته للإتحاد السوفيتي زمنا ما، ولكن الحقيقة الأمرّ أن ستالين هذا ياصاحب القلب الرقيق! قتل وحده أحد عشر مليون مسلم من جملة عشرين مليون مسلم قتلوا خلال خمسين عاما.

حينما تجد نفسك حربا على بن لادن من أجل بضعة آلاف، وتغض الطرف عن من قتل ولا زال يقتل الملايين من إخوانك؛ فأنت مفتون ولابد، ويلزمك توبة عن تلك البلادة التي أصابت قلبك؛ فلا هو سلما لإخوانه، ولا هو حربا على أعدائه.

وأخيرا: أنت لا تطيق أن يعاملك أحد من زاوية أخطائك وحسب؛ متجاهلا كل صفاتك الحسنة، فلما ترى غيرك وكأنهم خلقوا من خطأ؛ وأنت تعلم أنك لا تقبل ذلك؟! جراح المسلمين أولى بك وبجهدك، وتلك الألفة التي ماتت بيننا، أولى بنا أن نحييها لنـُـري الله منا خيراً عسى أن يأتينا خيرا.

تعليقات