قصة تحكيني.

كانت زميلته منذ عامه الأول بالمدرسة، وكانت جميلة رقيقة، ومهذبة. وهي التي كانت في الدراسة تنافسه، فكان يسبقها حينا، وحينا تسبقه.
كان يحترمها جدا لأنها رصينة هادئة، وكان كل الطلاب كذلك يحترمونها ويحبونها، كان ينظر إليها ويفرح حين يراها تضحك وتلعب.
 لَـعِـبا سوياً، وفرح هو لذلك، وفرحت هي بشدة، وعَلا ضحكها حتى ملأ فناء المدرسة. غير أنها ضايقته مرة فضربها بشدة حتى بكت، ومرة أخرى كانا في رحلة فداعبها فقصف شعيرات من شعرها فبكت أيضا، ولم تكن تلك المرة الأخيرة التي بكت بسببه.
 طلبت منه المعلمة يوما أن يراقب زملائه حتى تعود، فتكلمت (بسمة) مع صاحبتها مطمئنة أنه لن يكتب اسمها؛ ليس لظنها أنه يحبها؛ وإنما كان ذلك هو السائد حينها، حيث أنه لا أحد يشي بها إن خالفت الأوامر والتعليمات مهما حدث.
حين رآها تكلمت؛ نظر إليها، فسكتت برهة، ثم أكملت. فالتفت وكتب اسمها، ولم يتردد. قال في نفسه: "سأكتب من يخالف وكأني لا أعرفه"، فذُهل لذلك كل من حضر، وذهلت هي. حتى أرسلت إليه المعلمة رسولا برسالة تقول فيها: "أرسل لي من تكلم!". فقال: "من يرى اسمه يذهب للمعلمة". نظرت إليه نظرة لن ينساها. وكانت آخر من قام ممن قاموا. ذهبوا إلى المعلمة ثم عادوا. ضربتهم بشدة. جاء الجميع يبكون ويبكين، إلا هي؛ لم تبكِ حتى دخلت ونظرت إليه ثانية، نظرة توكيد معنوي للنظرة الأولى. حتى وصلت إلى مقعدها، فانهارت باكية، وملأ أروقة الصف نحيبُـها. وكانت المرة الأولى التي تُـضرب فيها منذ أربع سنوات دراسية. كان من نصيبه نظرة ثالثة كسابقتيها. غير أن تلك الثالثة كانت مغمورة بدمعها وحمرة في عينها. وانهالت عليه النظرات المعاتبة من الطلاب والطالبات. تَـعَـلَّـم حينها: أن الحق مهما كان جليا وعادلا؛ فإن من يرضون عنه سيكونون دوما أقل ممن عنه لا يرضون.
الآن وقد كبر، ومر عشرون عاما ولم يعد يراها، يتألم لبكائها في المرتين الأولتين. ولكن لو عاد به الزمان، لكتب اسمها عشرة مرات؛ إن هي  خالفت وتكلمت عشرة مرات. 

تعليقات